الشنقيطي
492
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
المصالح التي يعود نفعها إلى خلقه الفقراء إليه ؛ لا إلى اللّه جل وعلا إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 8 ) [ إبراهيم : 8 ] . وقد صرح تعالى وصرح رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : بأنه يشرع الأحكام من أجل الحكم المنوطة بذلك التشريع . وأصرح لفظ في ذلك لفظة ( من أجل ) وقد قال تعالى : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ [ المائدة : 32 ] الآية ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما جعل الاستئذان من أجل البصر » « 1 » . وقد قدمنا أمثلة متعددة لحروف التعليل في الآيات القرآنية الدالة على العلل الغائية المشتملة على مصالح العباد ، وهو أمر معلوم عند من له علم بحكم التشريع الإسلامي . وقال العلامة ابن القيم رحمه اللّه في ( إعلام الموقعين عن رب العالمين ) بعد أن ذكر قول من منع القياس مطلقا ، وقول من غلا فيه ، وذكر أدلة الفريقين ما نصه : وقال المتوسطون بين الفريقين : قد ثبت أن اللّه سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان ؛ فكلاهما في الإنزال أخوان ، وفي معرفة الإحكام شقيقان ، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه ، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه ، ولا يتناقض الكتاب والميزان ، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة ، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح ؛ بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة ، يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض . فلا يناقض القياس الصحيح ، النص الصحيح أبدا . ونصوص الشارع نوعان : أخبار ، وأوامر ، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح ، بل هي نوعان : نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة ، أو جملة وتفصيلا . ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة . فهكذا أوامر سبحانه نوعان : نوع يشهد به القياس والميزان ، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه ونصوص الشارع نوعان : أخبار ، وأوامر ، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح ، بل هي نوعان : نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة ، أو جملة وتفصيلا . ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة . فهكذا أوامر سبحانه نوعان : نوع يشهد به القياس والميزان ، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقل الصحيح ، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح . وهذه الجملة إنما تنفصل بتمهيد قاعدتين عظيمتين . إحداهما - أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرا ونهيا ، وإذنا وعفوا . كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علما وكتابة وقدرا . فعلمه وكتابته وقدره قد أحصى
--> ( 1 ) سبق تخريجه .